ثقافة و فنون

( قيس الــعرقوبي) // المجموعة “الدنيا حكايات” // ” اللطف في القضاء”


Image associée

تقلّب
“منتصر” في فراشه يمنة ويسرة، وزاده ضيق في صدره وجعا على وجع ..أيقظه
الألم، وتسارعت دقات قلبه في غير تناسق وانتظام .. تهالك بدنه تحت وطأة أوجاع صدره
” العنيفة، وأمضى ليلة تمنى أن لا يريها “الله” لمخلوق خيّرا كان
أم شرّيرا .

عندما تسلّلت أول
خيوط الصبح إلى سماء الدنيا و أرضها ، ودّبت حركة الحياة حثيثة قصد عيادة طبيب
العائلة ، فلمّا شخص العلّة استغرب وبهت وذعر ودعاه إلى الإسراع نحو المستشفى
مرفقا إياه بظرف مغلق ضمّنه ورقة فيها ملاحظات تاق “منتصر” لو يعرف
فحواها وينفذ إلى معانيها وكنهها ..تم قبوله على عجل بالمؤسسة الصحية ، وأقام
ليلته وسط جمع من المرضى تتفطر القلوب لحالاتهم الخطرة البائسة.

رأى من أقدار
الناس الأعاجيب والغرائب ، وفزع من حظه و قدره ،ويئس ، والإنسان دائما يؤوس ، فلم
يأت على باله أو يدر بخلده يوما أن إرادة الله فوق كل شيء و أن ماكتبه عليه وعلى
بقية الخلق قدر مقدور ، وأنّ الابتلاء يطال كل العباد آمنوا أم كفروا ، صدقوا أم كذبوا
وتمت الإرادة فرقد مريضا، و إن كان يحسّ نفسه شبه مريض أو غير مريض.

وقع تحويله إلى
قسم طبيّ أخر حيث أهل الإختصاص يعالجون فيه الدّاء الذي أصابه وأخرون مثله من
المرضى الذين سبقوه ، ومن سيلحقون به .. وهكذا قدره و قدرهم ، في مطلق الأزمنة
والأمكنة.

بدأ الخوف ينفذ
إلى أعماق أعماقه، ولم يقو على معايشة عذابات المرضى وصراخهم عند علاجهم ، لقد
وجد، هو ذاته ، دون أن يخضع لأية طريقة علاجية ، أن العلاج من بعض الأدواء أشد
قسوة وفظاعة من العلة عينها ، وكلما تكرر علاج المصابين أمام ناظريه تذكر مقولة
شعبية لم تنفك تزحف إلى فكره في أوقات كثيرة تقول أنه “مادواء المرّ كان إلي
أمرّ منه”.

تحاور الأطباء حول
علّته فلم يقفوا على سبب ملموس لها.. أجروا الفحوصات تباعا، جماعات بالنهار والليل
، وزاره في الإبان أهل بيته و أقرباؤه ، هؤلاء
الذين أشاعوا الفاحشة في مرضه وتقوّلوا الأقاويل ولم يقولوا
خيرا، تعمّدوا ذلك ، و أظهروه للناس في صورة المتهم بجريمة لم يقترفها .

اشتدّ عليه وقع
المصيبة وبلاء البدن ، فطفق يدعو ربه ويتضرّع إليه ، رغبا ورهبا، عشية وضحى، لم
يخجل من طلب العون والنصر الإلاهي أمام المرضى و زائريهم، و أكثر من ذلك خفية..
وبرأته التحاليل والفحوصات من جرم لم يرتكبه و أصرّ بعض المعارف و المقربين على
إلصاقه به ، فاستنكر ما صدر عنهم وقال في نفسه أحيانا ، على الملإ:

        
من أي طينة صنع هؤلاء البشر ؟ ألا يخافون الله ، ألا
يخافون أن تدور دائرة السّوء عليهم؟

خرج من مرقده
بالمؤسسة الصحية ، وأنجاه الله وكشف عنه ربّه الضرّ و الكرب ، وخاب سعي جماعات السّوء ،
ولم يفتر يوما عن الدّعاء ، وعرف أن “الله” نزّل القضاء لكنه وعد ، وعدا
حقا ، اللطف فيه.
0
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى غير قابل للنسخ.
إغلاق