غير مصنف

( قـيس الــعرقوبي) // المجموعة “الدنيا حكايات” // “السيجارة الأولى”

Résultat de recherche d'images pour "‫السيجارة الأولى في رمضان‬‎"
يقترب موعد الآذان، ينهمك مع والدته وشقيقه
الصّغير في إعداد مائدة الإفطار، يحمل أواني “الشربة” وما قدّر الله من
طعام الإفطار، وبعض من التمرات يوزّعها، فردا، على المائدة الخشبيّة الدائريّة يضع
3 كراسي على جوانبها في ما تجلب أمّه “جلدا” من الصّوف كانت قدّت أمثاله
زمن الصيف بعد أن خبّأت جلد الخروف  منذ “عيد
الأضحى”.

تكمل والدته قلي “الملسوقة” (
البريك) حتى إذا استوت “ملسوقاتها” على صحنها المعتاد، بدأت ترتّب بعض
الملاعق هنا وهناك، يتذكّر أنّه كبرمع تلك الملاعق  وترعرعت معه مذ كان طفلا، وما إن تنتهي من ملء
إناء الماء وكأسين تضع كلّ واحد على مقربة من حرف المائدة، تجلس القرفصاء وتدعو
ولديها للجلوس حذوها على كرسيين خشبيين علوهما قاب قوسين أو أدنى من أرض الغرفة
الإسمنتيّة.

يعلو صوت الآذان
مكبّرا حتّى إذا “صلّى على خير البريّة”، بسمل الصائمون الثلاثة وشرعوا
في ما أكل ما رزقوا به من فيء الطعام والشراب، يشرب حليبه ويمضغ تمراته على عجل
قبل أن يتجرّع شربته على جرعتين أو ثلاث ثمّ يقضم شطرا من ملسوقته يرفقها بكميّة
لا بأس بها من إناء الماء، ثمّ يتلصّص بنظراته إذا ما كانت أمّه غافلة أو متيقظة
لغمزاته التي يرسلها بين الفينة والأخرى إلى أخيه الجالس قبالته، حتّى إذا وجد
الوقت مناسبا، انسلّ من القعدة قائلا: “بالشفاء والهناء”.

يذهب ناحية الحنفيّة
يغسل يديه وما علق في فيه من بقايا طعام، ثمّ ينشّف ما نضح من ماء على جلده،
وينصرف إلى الغرفة الثانية يأخذ معطفه، يلبسه ثمّ يسير إلى آخر ركن في حوش الدّار،
يتسلّق درجات السّلم الحديدي إلى سطح البيت، يتلفت حوله فتتراءى له البيوت وأنهج
الحومة، صمت مطبق وهدوء غريب إلاّ من بعض الشباب “الفطّارة” يجوبون
أنحاء الحيّ في حركات استعراضيّة توحي لمن يراهم أنّهم “مفطرون”، أو
هكذا خيّل لهم.

ينتحي إلى أحد أركان
السطح المتوارية عن العيون، يجلس على أجرّة يضعها دائما في الموقع نفسه لغاية
فيها، يدخل يديه إلى جيب المعطف فيخرج على التوالي سيجارة وقدّاحة، يشعل عود
الثقاب يقرّبه من سيجارته، يسحب نفسا عميقا ثمّ يعيد الكرّة، ينفث الدخان في
الهواء، فيحسّ بدوار وصداع يثقل رأسه ورعشة في بدنه، يتواصل معه الأمر إلى آخر نفس
في سيجارته.

يكمل سيجارته ثم
يدوس عقبها بحذائه، ثم يأخذها بيده ويواريها خلف بعض الأغراض المكومة ركن من سطح
البيت، يسحب علكة من جيبه الثاني يضعها في فمه، يعلكها بعض الوقت ثمّ يعود أدراجه
متسلقا درجات السّلم للنّزول، يجد والدته أكملت رفع المائدة بطعامها، ويلمح، شقيقه
كالعادة، وهو منكب على عدد من الأوراق يراجعها ويطالع ما فيها.

يستأذن والدته في
الذهاب إلى بيت صديقه ليسهر قليلا ويتجول في شوارع الحومة المزدانة بأشرطة
الفوانيس الكهربائية الملونة، وبمعروضات الباعة من الملابس ولعب الأطفال، تأذن له
أمّه، كعادتها، في الإنصراف، وفكره ورأسه يطغى عليهما دوار السيجارة الأولى.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى غير قابل للنسخ.
إغلاق