غير مصنف

( قــيس الـعرقــوبي) // من أنباء البلد: “كول ما حضر والبس ما ستر”

Résultat de recherche d'images pour "‫لبس الشتاء للفقراء‬‎"
Résultat de recherche d'images pour "‫الأكلات الشعبية في الشتاء‬‎"

قبل عشرة إلى عشرين عاما كان أغلب
التونسيّين يعشقون فصل الشتاء رغم قساوته وبرده القارس وثقله على العباد بسبب
الزكام والأمراض التي تترافق معه فالكحّة والعطسان ماركة مسجلة عند الكبير والصغير
وكلّ من يدبي على أرض وحصير، فبحيث لا تسمع تأفّفا ولا همهمة، سوى نفث الأفواه على
الأيادي المتجمدة حتّى تأخذ الحرارة طريقها إليها ولو لبرهة من الوقت.

كان خلق الله يلبسون ما يحفظ من البرد
ويتدثّرون بأضعاف القمصان والسراويل والجوارب، لا يهمّهم في ذلك غير اتقاء البرد
عبر ألبسة نظيفة، لا يأبهون لتمزّق طرفها أو اهتراء أكمامها،  لم يكن يهمّ النّاس في تونس أن يأكل “ولد
البحر” أو يطقطق أسنانه ويؤجّج بطنه بهرقمة أو صحفة لبلابي باشويّة، ولم يكن
يهمّهم أن يلبسوا المعاطف الأنيقة والثياب الصوفيّة ذات الماركات المسجّلة، فقط
كان يهمّهم أن يشبع البطن ولو بحساء الثريد وأن يسخن الجسم وتنشط الأطراف.  
الأكلات لم تتخطّ “المقرونة
الجارية” و”المحمّصة” و”البرغل” و”الرّشتة”
و”الحلالم”، وشيء من “مرقة الخضرة” وبعض السلطات الخضراء، إن
قدّر للقوم اقتناء مكوناتها، أمّا الغلال فكانت القوارص من “برتقال
سقاطة”، الذي تسقطه الأشجار قبل اكتماله من النوعيّة غير الجيّدة التي تخصّص
لإعداد عصير كلّ يوم أو كلّ ليلة.

كان ذاك الزمان الغابر بمحاسنه
ومساوئه مرضيّا رغم شحّ المال وقلّة مصادره، ولم يكن النّاس يركّزون جيّدا على
معنى الأبّهة واللباس والأكلة ولم يكن ليتسلّل إلى قلوبهم البيضاء الطيّبة شيء من
الغلّ ولو ذرّة حقد على ما أتاه الله لفلان ولا لعلاّن.

بين الأمس واليوم كما بين الأرض
السحيقة والسماء السّابعة القصيّة البعيدة، فالبشر غير البشر والعيون تبدّلت
نظراتها والنفوس انتقلت من طور إلى أطوار غريبة عجيبة، من طور العفويّة إلى أطوار
المظاهر الرديئة.

عندما يستحضر الواحد منّا ما ذا كان
من أمرنا البارحة وماذا أمسى اليوم، ينطلق اللسان حسيسا غير حبيس مردفا: “يا
حسرة على زمان بوعنبة”.
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى غير قابل للنسخ.
إغلاق