غير مصنف

( قيس العرقوبي:// المجموعة: “خلجات” // ” تأخّرت كثيرا”

Image associée

شارف الفجر على أخذ أمتعته والسّفر
تاركا ضياء الشمس تنسلّ بشعاع باهت لتنعكس على فضاء المكان حيث انتصبت طاولة
مستطيلة طويلة كان وزملاؤه جالسون حولها، وقد انهمكوا في العمل، حواه المكان دون
أن تسعه أركانه، عادت به الذّاكرة سريعا إلى زمن حسبه قد ولّى إلى غير رجعة، لم
يكن ينتظر حتّى ولو بالمزاح أن تأتي إليه معتذرة طالبة الصّفح والرّجوع
.

مرّت أمامه كلّ الصّور التي جمعتهما،
الأمكنة والأزمنة، كلّ الأفراح والأتراح التي واجهاها، كلّ كلمة حبّ تبادلاها
..كلّ همسة عشق عايشاها وارتويا من جنونها، شنّف الآذان لكلّ نغمة تقاسما الإستماع
إليها، اشتمّ كلّ “ريح عطر” أهدتها إيّاه أو أهداها إياها، شعر ببرودة
تعتري أطرافه وبسخونة تسري في عروقه وعرق بارد ينضح على صفحة وجهه، وانساب بين
أصابعه ماء بلّل الأوراق التي كانت بين يديه
.

تذكّر عشيّة ذاك السّبت الخريفي عندما
جاءت تعلمه أنّ قدرهما الفراق، كان وقتها ينتظرها كعادته ليهيما ككلّ سبت في فلك
الهيام ويتيها في مجرّة العشق البريء، كان معها صادقا إلى أبعد الحدود وحماها حتّى
من نفسه، وأخلص لها فأوفى الكيل والميزان، وفعلت هي بالمثل، أو هكذا ترائ له أنّها
تفعل ذلك، جاءت تقول له “أنا من طريق و أنت من آخر” لم يستسغ ما تقول
ولم يستوعب ما تلفظ من كلام، قالت “هكذا المكتوب وأرجو ألاّ تسألني”،
فما كان منه إلاّ أن عفّ وصمت وحمل عظيم حزنه وكمده ذاهبا بعيدا عنها بعد أن قرّرت
تركه في مفترق الثنايا
.

مشت إلى حيث أرادت ومشى هو إلى حال
سبيله، ومضى ما مضى من السنوات، حتّى التقيا ذاك الصباح كان قاصدا عمله وكانت
ذاهبة إلى حيث كان تريد، توجهت نحوه، أخبرته أنّها أخطأت في حقّه وأنّها سمعت ممن
نطق بالكذب واعتذرت عن جفائه وفراقه، كشفت له لوعتها وحزنها، وأعلمته حبّها له لم
يخدشه خادش، وأنّها على هواه وفي كلّ كلبها يتربّع عشقه ويسكن أثره
.

لم يصدمه ظهورها المفاجئ بقدر ما
صدمها هجرها المباغت، وخاطبها بتحفّظ منتقيا كلماته وعباراته، واتفقا على أن تكون
الإجابة ضافية وأن يكون الغد موعدها وزمانها، وانتظر حتّى يتبيّن الخيط الأبيض من
الأسود ليعلمها بأنّه صائم، “صيام الدّهر”، عنها، جفونه لم يزرها النّوم
طيلة الليل، ولمّا جاء الصّبح قرّر أن لا مؤلما بقدر ما آلمته، قرّر أن يجدّد
انسحابه في هدوء كما سحبته من أحلام عشقه لها ببرودة وهدوء
.

رنّ جوّاله فلمّا كانت الرنّة الثالث،
بادلها تحيتها بأحسن منها، ولم يزد على قول ” جوابي باختصار في حياتي من
استحقتها، تأخرّت كثيرا، سامحك الله، حظّا سعيدا”، وقفل الخطّ
.

0
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى غير قابل للنسخ.
إغلاق