غير مصنف

محــاربة الفساد ( 2 ): “بين الفرض والسنّة.. الحصيرة حضرت قبل الجامع”

 





رأي:  قــيس الــعرقــوبي 




يظهر أنّ
الوزارات والهيئات الرسميّة التي تمّ بعثها لمحاربة الفساد وضرب المفسدين ليست
مؤهّلة بعد بالشكل المطلوب لإعلان الحرب على “الحيتان الكبيرة” من
بارونات الفساد داخل الإدارة وفي المناصب الكبيرة، أولائك الذين تنظر الهيئات
الوطنيّة المختصّة حاليّا في ملفاتهم كونهم  نهبوا ولهفوا وتمعّشوا من المال العام والذين
يملكون ما يملكون اليوم من ثروات ليست من حقّهم بقدر ما هي حقّ للمجموعة الوطنيّة،
والأدهى والأنكى أنّ حملة تمّ إطلاقها منذ فترة في عدد من وسائل الإعلام “تتوعّد
الموظفين “الزواولة” بالويل والثبور إن هم تأخّروا في العمل، تتوعد عبر
وسائل الإعلام هذا “الموظف المهزوم المأزوم” بالعقاب الأليم إن هو
تجاوز، ولو كان الأمر بسيطا ولا يهم إن كان من قبيل التلفيق وشهادة الزور، فالماضي
أليم ويشهد بما يشهد في هذا الجانب”.

الموظف الذي
سأصفه بـ “المسكين” والمغلوب على أمره في واقع الحال، لا يمكن أبدا أن
يزايد عليه “وزير” ولا “غفير” ولا ما شابه، هذا الموظّف الذي
يدفع تقريبا كلّ الجباية التي يتمتّع بها الفاسدون من أصحاب “المناصب”
و”الكراسي” والامتيازات الذين ينتشرون في كلّ المواقع والمراكز مؤسسات
الدولة الرسميّة والعموميّة، هؤلاء الذين يكلّفون المجموعة الوطنيّة أموال طائلة
تقدّر بالمليارات.

اليوم بالبنط
العريض وفي الجرائد ووسائل الإعلام تطالعك عناوين من قبيل إعلان “الحرب
العالميّة التونسيّة” على “موظّف الدّولة”، ليس المدير أو المدير
العام أو “سي فلان” أو “سي فلتان” ولكن ذاك الموظّف والعون
البسيط الذي على طينة “افعل” “اعمل” اذهب” وووو.. الحرب
على “موظّف” راتبه لا يكفي مصروف أسبوع، ذاك الذي يركض صباحا مساء وراء
حافة “خردة” لا تتوقّف أو قل “بلا مكابح”، ذاك الذي لا يجد
ثمن قهوته حتّى لا نقول غداءه أو ثمن بضع من السجائر الرخيصة الركيكة إن كان من
المدخنين.

 اليوم الإسطوانة المشروخة ذاتها، حكاية النظام
السابق وقبل السابق ومنذ عهد “منداس فرانس”، حكايات فارغة لا تسمن ولا
تغني من جوع، “تأخير” و”تكركير”، إذا كان أصحاب الوظائف
الكبيرة هم أيضا من الكركارة، ومن يريد أن يقول العكس فليتفضّل، أولائك الذين
يتقاضون الرواتب المنتفخة والإمتيازات المزركشة، والذين أنشأت الوزارات والهيئات
الرسميّة للغرض من أجل التقليل من سطوهم على المال العام، كيف لا ورئيس هيئة
مكافحة الفساد “شوقي الطبيب” يعترف بوجود ما يضاهي 2 ألفي مليار من
المليمات التونسية في دائرة الفساد، هذا بالنسبة للصفقات العموميّة فحسب، والرّجل
اليوم، وأقصد “شوقي الطبيب” يكشف عن وجود تهديدات واعتداء على منزله؟؟؟
أو ليس من الأجدى التصدّي للمجرمين الذين يحاولون إخافة وترويع من نذر نفسه لمحاربة
أكابر الفساد.

أصاب رئيس
الدولة الباجي قائد السبسي ورئيس الحكومة الحبيب الصيد عندما اتفق كلاهما على
إرساء سياسة رسميّة وصريحة أعلنا من خلالها الحرب على الفساد في الدولة انطلاقا من
مؤسساتها الرسميّة والعموميّة، لكن يظهر أنّ الإستراتيجيّة ما زالت غير موجودة
والفكرة غير ناضجة وكذلك الإرادة فاترة نوعا ما في التوجّه حقيقة نحو الفساد
وأصحابه بما يمكّن من اتقاء شرورهم، فحاليا هناك وظائف ومناصب واتفاقيّات وصفقات
وملفات من الضروري مراجعتها، بالتوازي مع فرض مراقبة إلزاميّة ومستمرّة للذين تحوم
حولهم شبهات الفساد أو قل المتورطين في جرائم فساد.

بصراحة الموظّف واجب عليه أن يقوم
بعمله لكن أن تنجز حملات إعلاميّة تظهر للناس، وهو غير صحيح، أنّه سبب البليّة
وسبب كلّ ماهو حاصل من تعطيل وإرباك في سير ومسار مصالح وأعمال إدارت الدولة
ومؤسساتها، فهذا أمر والحقّ يقال مجانب للواقع وغير صحيح، لذلك وجب “فقع
الدمل” الحقيقي كما يقال، والعلّة معروفة ومكشوفة ولا داعي للدواران حولها
معالجتها حتّى وإن تطلّب الأمر “الكيّ” فذاك آخر “الطبّ”،
واليوم هو ضرورة للمعالجة المفيدة والناجعة لمرض الفساد الذي أصاب مؤسساتنا فجعل
صحتها عليلة وعافيتها قليلة.

 ومن أوكد الأولويّات والمهام التي يرى الرأي
العامّ ضرورة أن تضطلع بها “وزارة الحوكمة ومكافحة الفساد” وهيئة
“مقاومة المفسدين” هو تتبّع التنامي الواضح وغير المنطقي للثّراء الفاحش
في صفوف عديد موظفي الدولة الكبار وكثير من الأشخاص والأطراف والمكونات السياسية
والمجتمعيّة في تونس لا سيما بعد الثورة، وذلك بتطبيق قانون “الإثراء غير
المشروع” سواء في صفوف المنتمين للقطاعين العمومي والخاصّ، هذا القانون الذي
ينسحب في جوهره على الموظّف وقرينه وأبنائه القصّر الذين في كفالته.

  وتتعالى الأصوات حاليّا، أكثر من أيّ وقت مضى،
على تنفيذ  قانون “من أين لك هذا؟؟”  الدارج بالعاميّة
التونسيّة على الجميع دون استثناء وبلا  محاباة وخاصّة البدء في تطبيقه بفئة
المسؤولين الكبار في مختلف مؤسسات الدولة ومنشآتها الذين تؤكّد الأخبار الرّائجة
اليوم أنّ شريحة لا بأس بها منهم أصبحوا في ظرف قياسي من مالكي القصور
و”الفيلات” الفخمة والسيّارات الفارهة تناهــز قيمتها ملايين ومئات
الآلاف من الدنانير رغم كونهم لا يحتكمون على أملاك أو يمتلكون مواريث أو ما شابه
من منقولات أو تركات عن عائلاتهم.
كما أنّه مطلوب من الجهات الرسميّة، في الوقت الراهن،
التّعجيل بإرساء منظومة “رفع السرّ البنكي” وسحبها في التطبيق على كافة
المعنيين بلا استثناءات وبلا حسابات أو مداراة. 

ومن ناحية أخرى، ترى فئة واسعة من الموظفين في القطاع
العمومي،  يتوزعون على مختلف التصنيفات
والترتيبات والخطط الوظيفة، أنّ “مدونة سلوك الموظف العمومي” ليست سوى
شكل من أشكال الإشهار و”البروباقاندا” للأطراف التي أقدمت على بلورتها
والترويج لمراميها، وغالبيّة الذين قدّر أن يكون رزقهم في القطاع العامّ مدركون،
تمام الإدراك، أنّ مدونة السلوك هذه “قدّت من دبر وليس من قبل”، قدّت
بأسلوب لم تتم فيه مراعاة أبسط الأخلاقيّات وأدنى الأبجديّات والبروتوكولات
المعمول بها المعمول بها وهي استشارة الموظّفين من أعوان وعملة وإطارات من الحجم
الصغير وحتّى المتوسّط أو على الأقل من ينوبهم من هياكل مهنيّة ونقابيّة والأخذ في
الإعتبار آراءهم فيها ومقترحاتهم إزاءها.

  وتلاحظ شريحة كبيرة من الموظفين أنّ
المدوّنة التي يراد بها في الظاهر إضفاء مزيد من الجديّة والمهنيّة على عمل الموظف
وحفزه على الإنضباط واستقامة السلوك والرفع من المردوديّة الشّغليّة، المغزى
الأساسي منها هو زرع “ثقافة الخوف” في أوساط الشغّالين في  القطاع
العام لا سيما من الأصناف الصّغرى والمتوسّطة في حين تطلق الأيادي لكبار مسؤولي
الإدارة وجماعة “مكلّف بمهمّة”، والذين لا يشغلون في الواقع أيّة مهمّة
فضلا عن عشرات بل مئات من كبار الموظفين يتقاضون رواتب وامتيازات لا تصدّق وهم
قاعدون في المنازل، منهم المستبعد ومنهم المتخفّي عن عيون الرقباء والمحاسبين،
ومنهم المتطاوسون على قانون الوظيفة برمته، فلا تحرك له “المدونة” ولو
“شعرة واحدة من رأسه”.

  يذكر أنّ هذه المدوّنة التي تمّت المصادقة على
انطلاق العمل بها بتاريخ 02 أكتوبر 2014 مازالت محاطة بهالة من الضبابيّة كما أنّ
عدم إنجاز إستشارة موسعة في صفوف الموظفين العموميين بشأنها يجعلها
“غريبة” عنهم والعمل بها وتطبيقها بالنسبة لهم أمر غير منطقي و”غير
مشروع” قانونيّا إلى حين عرضها على المعنيين بالأمر من ناحية قبل فرضها عليهم
لتطبيقها كرها، والغريب أنّك إن سألت عددا لابأس به عن محتوى هذه
“المدوّنة”، أجابك بـ “العلم عند الله”.

ويرى أهل الدراية أنّ “منظومة التبليغ عن حالات
الفساد” لن تخرج للحياة ويكتب لها العيش في تونس طالما غابت النصوص
القانونيّة التي تحمي المبلغين ولا تجعلهم عرضة للعقوبات والتعدّيات من قبل الجهات
الفاسدة والمشبوهة، ويرون الحاجة الماسّة لنقل الإتفاقيّة المبرمة مع كوريا
الجنوبيّة إلى الواقع الملموس، خاصّة وأنّ اعتمادات بـ 5 ملايين دولار ( ما يضاهي
10 ملايين دينار تونسي) أسندتها الدولة الكوريّة لتونس في شكل هبة لإنجاز هذا
البرنامج.



0
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى غير قابل للنسخ.
إغلاق