غير مصنف

( ملف : قـــيس الــعرقــوبي) السياحة الإيكولوجيّة: كنوز بيئيّة تونسيّة بحاجة إلى حسن الإستغلال

تعرف
تونس بأنها قبلة السياح من كل العالم، لكن ومنذ أحداث الثورة والبلد يعاني من
تراجع أعداد السيّاح من كلّ الأسواق والوجهات، الأمر الذي حدا بسلطات الإشراف
والفاعلين والأطراف المتداخلة إلى ابتكار عروض جديدة على غرار “السياحة الإيكولوجيّة”،
صديقة البيئة، ويساعد موقع بلادنا ذو الطبيعة المتميزة بين شواطئ وجبال وغابات
وصحراء على جعلها نقطة استقطاب سياحية هامة لدى الاوروبيين بالاساس ثم السياح
العرب والعديد من الجنسيات الاخرى
.

لكن
رغم ذلك فإنّ الواقع الراهن يؤكّد أنّ السياحة الشاطئية لم تعد عنصراً جاذباً
للسياح كما كانت سابقاً ، فلا يخفى على أحد كون البحر والشمس قد استهلكا
كمصدرين سياحيين لمعظم الوجهات المحببة في الوطن العربي، وفي مقدمتها توني التي
تمتاز بمناخها المعتدل مقارنة ببقيّة الوجهات والأقطار حيث أمسى من الضروري جدّا البحث
عن منافذ وخيارات أخرى وتسويق فلسفة سياحية جديدة من شأنها أن تسهم في تنشيط قطاعنا
السياحي الذي ضربه نوع من الكساد جرّاء الأزمات السياسيّة والإقتصاديّة سواء على
مستوى العالم أو على صعيد الدّاخل.

سيدي بوزيد:
برنامج خاص بجبل مغيلة

تعدّ
الحديقة الوطنية بجبل مغيلة من أبرز المزارات السياحيّة ومن أهمّ الكنوز البيئيّة
بجهة سيدي بوزيد، وهى حديقة مفتوحة يتعايش فيها الانسان مع المنظومة الطبيعية
الموجودة بالجبل وهى واحدة من بين 20 حديقة وطنية فى الجمهورية التونسية وقع
احداثها سنة 2010 وتمسح 16249 هكتارا، وتمتد الحديقة على جزء من مساحة 4 معتمديات،
هي “سبيبة” و”سبيطلة” من ولاية القصرين، و”جلمة”
و”السبالة” بسيدي بوزيد.

وتعتبر
الحديقة حصنا طبيعيّا لحماية الثروة النباتية والحيوانية الموجودة بالجبل ولها
أثرها الإيجابي على المواطنين، حيث يسكن بجوارها زهاء 12 ألف ساكن بما يضاهي 1100
عائلة، ويصل ارتفاع جبل مغيلة الى 1380 مترا، ويأوي ثروة حيوانية متنوعة تتمثل في
الطيور والزواحف بجميع أنواعها والخنزير الوحشي والقط البري والثعلب وابن أوى كما
يتميز بغطاء نباتي تنتشر به أشجار الصنوبر الجبلي والعرعر والاكليل وغيرها من
الاعشاب الجبلية
.

وكان
محافظ الحديقة “حسين أولاد أحمد” قد أشار إلى وجود برنامج للتنمية
السياحية بسيدى بوزيد وتحديدا بمنطقة مغيلة سيستفيد منه متساكنو ولايات سيدى بوزيد
والقصرين والولايات المجاورة لتكون الحديقة متنفسا للعائلات والزوار والطلبة وايضا
للباحثين، وبين أنه سيتم تمكين المواطنين القاطنين داخل الحديقة وفى أحوازها من
موارد رزق قارة من الحديقة ومن الانشطة التي ستقام فيها والتي تندرج ضمن تنمية
السياحة الايكولوجية التي ستستقطب عددا من السائحين والزائرين
.
وتحدّث
محافظ الحديقة عن السياج المبرمج إحداثه حول قمة الجبل ليغطي مساحة تقارب 25
كيلومتر ستفرد كفضاء لإيداع عديد الحيوانات على غرار “الاروية المغاربية”
و”الغزال الجبلي” وعدد من الحيوانات القادرة على العيش في مثل هذه
المناطق، مضيفا أنّ المشروع يتضمّن إنجاز 3 مداخل للحديقة.
ويؤكّد
بعض الخبراء أنّ تحويل حديقة جبل مغيلة إلى قبلة للسياحة البيئيّة مرهون بالعمل المتواصل
من طرف إدارة الغابات لتفعيل نجمل البرامج التشاركية مع المواطن وتشريك سكان
الغابات في التّصرف في غطائها النباتي وترشيد استغلال منتوجاتها
.

توزر:
تنوع بيولوجي بدغومس

تؤكّد
فئة واسعة من أهالي ولاية توزر وخاصّة من المهنيين في قطاع السياحة أنّ حديقة دغومس
مستقبل السياحة البيئيّة في تونس وكذلك في منطقة شمال افريقيا بالنظر إلى المخزون
الطبيعي والبيئي والحيواني  الهام الذي
تحظى به بما يجعلها وجهة سياحيّة مهمّة.

وفي
هذا الصدد، أشار “محمد الدبابي” رئيس دائرة الغابات بالمندوبية الجهوية
للتنمية الفلاحية بتوزر إلى أن البنك العالمي  وافق حتى الآن على تمويل 6
مشاريع في مجال السياحة الايكولوجية  ستنجز عن طريق 5 جمعيات  في حين تم
انتقاء 74 ملف مشروع فردي ينتظر أن تحظى جميعها بالتمويل.

وقد
تمّ للغرض تشكيل لجان قطاعيّة مصغّرة تمثّل الهياكل الجهوية تم تكوينها لتأطير
والإحاطة بالراغبين في بعث هذه المشاريع الصغرى التي ينتظر أن تكون جلبة للأدفاق
السياحيّة، وذات مردودية اقتصادية وبيئية
.

من ناحيتها بادرت جمعية  “أرباب العائلات
العاطلين عن العمل  بدغومس” المهتمّة بالمحافظة على الموارد الطبيعية
والتنوع البيولوجي بالحديقة  الى بعث أندية بيئية بالمؤسسات التربويّة وبدار
الشباب بالجهة، وتعمل على تعميم هذه النوادي على باقي مناطق الولاية للتعريف
بالحديقة الوطنيّة بدغومس، وتنظيم زيارات ميدانية تثقيفية وعلمية إليها.

كما
تتحرّك هذه الجمعية على أكثر صعيد من أجل تقديم الحديقة كوجهة جديدة للسّياحة
الإيكولوجية، موجّهة تحرّكها بالخصوص نحو استقطاب وكالات الاسفار ومكونات المجتمع
المدني والإعلاميين.

الوسلاتية:
“زغدود” قطب للسياحة البيئية

عند قدم “جبل السرج”، وعلى مسافة نحو 20
كلم في عمق معتمدية “الوسلاتية”، تستلقي “عمادة زغدود” بين
الأودية والعيون الرّقراقة، وبين المرتفعات تتمدّد في بساطة من العيش وهدوء
وسكينة أهلها، حيث يعيش أكثر من 3 آلاف نسمة، هذه العمادة التي تحتكم على كنوز
طبيعيّة وبيئيّة تمتّع الأنظار بمناظرها الخلاّبة التي تجلّها غابات الصنوبر
والنباتات الغابية خاصّة منها “الإكليل” والعرعار”
و”الخرّوب” و”الزعتر” و”الشيح” و”الزعرور”،
وهي نباتات طبّية واستشفائيّة، تستهوي عشّاق الطبيعة كما تستقطب عديد المستثمرين
الشبان من أصحاب الشهائد العليا يصدرونها الى الخارج بعد تجفيفها وتعليبها.
ولقد أصبحت هذه الثروة البيئية مقصد السياح من
الداخل والخارج سواء للنزهة أو للصيد أو للاستشفاء بهوائها العليل، ولعل التنوع
البيئي الذي تتميز به منطقة “زغدود” وثراءها البيئي والحيواني جعل
الدولة تحدث  محمية بيئية بـ”جبل زغدود” على مساحة كبيرة، وذلك من
أجل مزيد تطوير المشهد السياحي والبيئي لهذه المنطقة التي ينتظر أهلها من السلطات
المعنيّة الإحاطة بهم والعناية بجهتهم.
طبرقة:
 تعاون تونسي ايطالي

كثير من الآمال معلّقة على نجاح المشروع المشترك التّونسي الإيطالي الرامي إلى انجاز
مسالك سياحية بيئية، حيث يؤكّد مدير التراث والمحيط بالديوان الوطني التونسي
للسياحة “أنور البوخاري” أنّه  سيحدث
ديناميكية سياحية على مستوى الجهة وسيدفع عجلة التشغيل بالنسبة للشباب من خلال بعث
مشاريع صغرى لا تتطلب راس مال كبير
.

وللعلم
فإنّ المسلك الأول لهذا المشروع السياحي البيئي يمتدّ من مدينة طبرقة إلى منطقة “الوراهنية”،
ويمرّ بعدة تجمعات سكنية وبه مناظر خلابة ومواقع أثرية ما تزال غير مكتشفة، أما
المسلك الثاني فينطلق من مدينة عين دراهم إلى مناطق “السوينيات” و”الغدير
عبر “مخثة دار فاطمة” التي تعدّ من أهم المحميات الطبيعية الفريدة من
نوعها على مستوى منطقة المغرب العربي وعلى الصّعيد الإفريقي، كما توجد بالجهة حديقة
“وادي الزان” الوطنية والتي من المفترض احتواؤها على على عدة حيوانات
برية ومناظر طبيعية، ويمكن استعمال المسلكين بواسطة الدراجات الهوائية.

هذا
المشروع مموّل السياحي والبيئي الهامّ من طرف الآلية الأوروبية للجوار والشراكة وبمساهمة
الديوان الوطني التونسي للسياحة بتونس والمعهد الوطني للتراث.
ولا
يخفى على أحد أنّ أغلب جهات الشمال الغربي، وتحديدا بجهات طبرقة وعين دراهم،
تتوفّران على جميع مقومات الجذب السياحي ويجد السائح جميع متطلبات التنوع الطبيعي
والبيئي حيث تتوفر كل المقومات والخدمات المتطورة تسديها مجموعات فندقية ذات صيت
عالمي فضلا عن توفر المناخ الملائم
.

حسن الإستغلال
ليس في المستوى المطلوب

يعتبر
بعض أصحاب الفنادق والعاملين في القطاع السياحي أنّه رغم مجهودات الدولة لتطوير
السياحة الإيكولوجيّة فإنّها ما زالت لم ترتق إلى المستوى المطلوب ولم ترض بعد لا
المهنيين ولا السيّاح، لافتين إلى أنّ العمل يجب أن يتركّز على مزيد تذليل العقبات
في كلّ الإتجاهات لا سيما على بتوفير تشريعات أكثر مرونة، وكذلك مزيد تحفيز
المستثمرين في هذا الإختصاص السياحي الذي يعتبرون أنّه التوجّه الإستراتيجي الجديد
لعديد السياحات في عديد البلدان ذات الصيت العالمي في المجال.

يشار
إلى أنّ مصطلح “السياحة الايكولوجية” ظهر في مطلع الثمانينات بعد بروز
الجيل الأول من حماة الطبيعة الذين أرادوا إضفاء صبغة الايكولوجية على
الممارسات السياحية المرتكزة على انسجام الإنسان مع عناصر بيئته دون إلحاق
الأذى بها، وعرفت المقاربة السياحية تطوراً كبيراً في مفاهيمها لتصل إلى ما
هي عليه اليوم، فاحترام المشهد الطبيعي  واستعمال وتثمين الموارد والمنتجات
المحلية هي روح فلسفتها، كذلك فإنها تخفف قدر الإمكان من إهدار الموارد
 المائية وتقطع الطريق على “السياحة المكثفة” المتعارف عليها، والتي
تستهدف النخب دون أن يستفيد منها عامة الفئات.

0
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى غير قابل للنسخ.
إغلاق