غير مصنف

في ذكرى رحيل “الزّعيم بورقيبة”: “من دفنوه بالأمس حيّا، أحيوه اليوم ميّتا”؟؟


لم يدر بخلد التّونسيين، ولو لذرّة
لحظة، وهم الذين عاشوا طيلة 23 عاما على وقع سنفونيّة “العهد الجديد”
مشنّفين الآذان، طوعا وكرها، بـبيانات “السّابع من نوفمبر” وبخطابات
“صانع التغيير”، هؤلاء الذين أمطروهم بكرامات الطرابلسيّة و”آل
الماطري”” وأتباعهم ومن لفّ لفّهم، لم يدر بخلدهم أنّه سيأتي اليوم
ويرجع فيه ألق “بورقيبة” المطمور عمدا، ذاك الزعيم الذي أنار بمسيرته
الوضّاءة دروب الدولة التونسيّة في بواكيرها
.

سواء كنّا معه أو ضدّه وسواء وافقنا
قناعاته وساندنا سياساته أو نفرناها فإنّ هذا “الزعيم” كان ملهما
ونبراسا مشعّا عشقه شقّ واسع من فئات الشعب التّونسي في أداني الوطن وأقاصيه وفي
سهوله وجباله وشعابه وفيافيه وفي كلّ شبر من أرض تونس الخضراء، هو مثله مثل رموز
التاريخ التّليد، وقادة الزّمان المديد سيان كان مضيئا وهّاجا أم أسود حالك،
اختاره القدر، وخيّر له أن يكون في الواجهة وأن يقود كوكبة الطّليعة
.

نحت “الزعيم” مسيرة بلد له
تاريخ عريق وحضارة عابقة، خطّ مسار شعب ورسم نهضته وساير تقدّمه، هذا
“الزعيم” الذي لم ينس أبناء تونس، شيوخا كانوا أم كهولا أم شبابا أو
نساء أو أطفالا، لم ينسوا جميعهم قسما كبيرا من أفضاله ونضالاته، كما لم ينسوا جزء
آخر من سلبيّات سياسته الفردانيّة التي احتكر فيها الرّأي والقرار فأطلقت أيدي
بطانته لتستبدّ وتصول وتجول على حساب “أولاد الشّعب”، ولتعبث بثروات
البلاد وتستغلّ مقدّرات الدولة وامكانياتها، هكذا كيف ما اتفق لا سيما في آخر
فترات حكم الزعيم
.

وإثر “انقلاب الوصفة
الطبيّة” من قبل وزيره الأوّل، الرئيس المخلوع “زين العابدين بن علي،
تنكّر الجميع للزعيم، وزراؤه وخاصّته وأصحابه وأحبابه، وقتها لا أحد ساند الزعيم
أو تكلّم عنه لا من وزرائه ولا من أهل بلاطه، فقط بعض “المهمهات” أطلقها
من أطلقها بعد أن سحبت من القوم امتيازاتهم وصلاحياتهم وبعد أن تمّ كنسهم من قصر
قرطاج ومن من قصر القصبة وممّا جاور القصرين
.

أسيئت معاملة “الزعيم
بورقيبة” من قبل نظام المخلوع، ما في ذلك أدنى شكّ، ولكن المصيبة ما لقيه من
صدّ وجفاء من قبل فئة واسعة من مدّعي “الدستوريّة” وحتّى من زاعمي
“البورقيبيّة” والتّنسيب منهم براء، “براءة الذئب من دم ابن
يعقوب”، هؤلاء المتدثرين بثوب “البورقيبيّة” والرافعين لشعارات
“مناصرة فكر الزعيم ومنذجة سياسته”، ورغم ادعاءهم الانتماء إلى التيار
البورقيبي لم يبادروا، في واقع الحال، بفعل أي شيء لإنهاء عزلة الزعيم ووضعه قيد
الإقامة الجبرية التي فرضها عليه “زين العابدين بن علي” كما لم يشاهد
الرأي العام التونسي أي شكل من أشكال السعي لمساعدته والتخفيف من معاناته، في
المقابل، سارع كثيرون إلى الاندماج في الحزب الجديد “التجمّع الدستوري
الديمقراطي
“.

اليوم من تخلّوا عن بورقيبة حيّا
تذكّروه اليوم ميّتا، مظهرين أنفسهم على أنهم “المريدون البورقيبيّون”،
وبالغوا في الأثناء على التظاهر بتقليده ليس في خطاباته ونكاته بل حتّى في لباسه
وحركاته وسكناته، من تخلّوا عن الزعيم بالأمس غير البعيد رجعوا راكضين للمشهد
مستغلّين، دعائيّا وإعلاميّا، خصال الزعيم ومآثره النضاليّة، وسحبها على أنفسهم،
هؤلاء ينعقون ليلا ونهارا في منابر لا تغلق أبوابها لعلّ الشعب يصدّقهم، ولكن؟؟؟

ترك بورقيبة وحيدا يتجرّع مرارة
خيانات أهل قصره وخاصّته في نهاية حكمه، ومات مبعدا بعد أن تجاهلوه وتغافلوا عنه
واعتبروه نسيا منسيّا، وبعد أن خرس الصائلون الجائلون القائلون اليوم ببورقيبة،
تركوه حتّى إذ رحل وهرب من خانه إلى خارج الدّيار، رجعوا بصنم قالوا للشعب أنّه
“بورقيبة” وما هو ببورقيبة، رجعوا به وكأنّ في النفوس غايات تخمّن في
تأليه تمثال الزعيم، ثمّ تقديم “البورقيبيين الجدد” على أنّهم كبار كهنة
المعبد وعلى الشعب أن يركع ويسجد للتمثال، فإمّا ذلك وإمّا الويل والثبور والعقاب
الأليم، كأنّنا بتونس ترجع إلى الخلف، إلى تلك الأزمنة الغابرة، إلى زمن فراعنة
مصر وكأننا بشعب تونس يساق إلى باحة معبد “أمون
“.

الزّعيم” أثره في عقول وقلوب من أحبّه وأثره في بناء الدولة وفي
كيانها، منحوت في حياة شعبها، بورقيبة، هو ذاك الذي يرونه ويعايشونه في قوانين
البلد وفي روح الدستور قديمه وجديده، هو ذاك الذي تجد ريحه في التعليم وفي المرأة
وفي غيره، بورقيبة هو “زعيم” يستحيل أن يفقد “زعامته” حتّى
لدى من يخالفه الهوى والرؤى، وهو “زعيم” حتّى مع من يختلف معه في
السياسة وفي الإيديولوجيا، لذلك باطل أن تحتكره فئة دون أخرى أو تدعي مجموعة
امتلاكه وتنفيه عن البقيّة
.

ما يحدث اليوم هو، ولا بدّ، سرقة
لتاريخ بورقيبة وتنسيب لنضالاته دون وجه حقّ، ما يحصل مع بورقيبة هو تجنّ واضح
وصارخ على ما خلّفه من إرث وطني يعدّ مكسبا للتّونسيين جيلا عبر جيل، بورقيبة زعيم
كلّ التّونسيين دون استثناء ولا أحد له الحقّ في احتكار مسيرته الوطنيّة
والنضاليّة المشعّة والمؤثّرة في بناء أسس الدّولة الحديثة
.



(بــقــلــم : قـــيــس الــعرقــوبي)



0
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى غير قابل للنسخ.
إغلاق